ابن ميثم البحراني
285
شرح نهج البلاغة
وأوضاعها منافية للكبر . إذ كان مدارها على تضرّع وخضوع وخشوع وركوع . وكلّ واحد من هذه الأجزاء بكيفيّاته وهيئاته موضوع على المذلَّة والتواضع والاستسلام لعزّة اللَّه وعظمته وتصوّر كماله وتذكَّر وعده ووعيده وأهوال الموقف بين يديه وكلّ ذلك ينافي التكبّر والتعظَّم ، وإلى ذلك أشار بقوله : تسكينا لأطرافهم وتخشّعا لأبصارهم . إلى قوله : تصاغرا ، ونصب تسكينا وتخشيعا وتذليلا وتخفيضا وإذهابا على المفعول له ، والعامل ما دلّ عليه قوله : حرس . من معنى الأمر : أي حرسهم بهذه وأمرهم بكذا وكذا . وانتصب تواضعا وتصاغرا ، والعاملان المصدران : تعفير ، والتصاق . فأمّا الزكاة فوجه منفعتها في دفع هذه الرذيلة أمران : أحدهما : أنّها شكر للنعمة الماليّة كما أنّ العبادات البدنيّة شكر للنعمة البدنيّة ، وظاهر أنّ شكر النعمة مناف للتكبّر عن المنعم والاستنكاف عن عبادته . الثاني : أنّ من أوجبت عليه الزكاة يتصوّر قدرة موجبها وسلطانه وقهره على إخراجها فينفعل عن حكمه وينقهر تحت أوامره مع تصوّره لغنائه المطلق وذلك مناف لتكبّره واستنكافه عن عبادته . وأمّا مجاهدة الصيام فلما فيها من المشقّة الشاقّة ومكابدة الجوع والعطش في الأيّام الصيفيّة كما كنّى عنه عليه السّلام بقوله : وإلصاق البطون بالمتون من الصيام . والإنسان في كلّ تلك الأحوال متصوّر لجلال اللَّه وعظمته وأنّه إنّما يفعل ذلك امتثالا لواجب أمره وخضوعا تحت عزّ سلطانه ، وذلك مناف للكبر والترفّع ، وقد علمت ما في الصوم من كسر النفس الأمّارة بالسوء كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع ، وذلك أنّ وسيلة الشيطان هي الشهوات ومبدء الشهوات وقوّتها مداومة الأكل والشرب . وبتضييق مجاريه ينقهر وينكسر نواجم وسوسته بالرذائل عن العبد ، ويسكن حركات الأطراف الَّتي مبدءها تلك الوساوس ، وتخشع الأبصار ، وتذلّ النفوس ، وتنخفض القلوب .